قراءة في نظرية الحتمية الرقمية لمارشال ماكلوهان

إعلام, معلومات وأبحاث إعلامية — By on February 3, 2012 3:49 pm

صورة تعبيرية لنظرية الحتمية الرقمية

أقلام المعهد – عفاف سلامة/

تركز هذه النظرية على دور وسائل الإعلام وطبيعتها وتأثيرها على المجتمعات وصاحب هذه النظرية هو مارشال ماكلوهان المولود عام 1911 والذي درس اللغة الانجليزية وحصل على الماجستير من جامعة كامبردج وعمل أستاذا للآداب في جامعة تورنتو وقد تبنى هذه النظرية من أستاذه المفكر والمؤرخ الاقتصادي هارولد انيس و يعتبر ماكلوهان  من أشهر مثقفي النصف الثاني من القرن العشرين.

في شكل عام  هناك طريقتان للنظر إلى وسائل الإعلام احدهما من حيث :

أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفيه والتعليم

أنها جزء من سلسلة التطور التكنولوجي

وإذا اعتبرنا أنها وسيلة لنشر المعلومات والترفيه والتعليم ينصب الاهتمام عند ذلك على مضمونها وطريقة استخدامها والهدف من هذا الاستخدام .

أما إذا اعتبرناها جزءا من العملية التكنولوجية فعند ذلك يكون الاهتمام بتأثيرها بغض النظر عن مضمونها باعتبارها جزء من العملية التكنولوجية .

في حين يرى ماكلوهان في نظريته  ( الحتمية التكنولوجية ) انه لا يمكن النظر إلى مضمون وسائل الإعلام بعيدا عن الوسيلة الإعلامية نفسها فالكيفية التي تقدم فيها الرسالة الإعلامية والجمهور المستهدف يؤثران على ما تقوله الوسيلة الإعلامية . وركز ماكلوهان في نظريته على أهمية الاختراعات التكنولوجية ومدى التأثير الذي تحدثه في المجتمعات .

ويعتبر ماكلوهان ان وسائل الإعلام تحدد طبيعة المجتمع والكيفية التي يعالج بها مشاكله ويعتبر ان الوسيلة امتداد للإنسان ولجهازه العصبي والتلفزيون يمد أعيننا والميكروفون يمد آذاننا والآلات الحاسبة مساوية لامتداد الوعي لدى الإنسان ومن هنا تبرز الضرورة من وجهة نظر ماكلوهان الى تقديم اكبر قدر ممكن من المعلومات عن وسائل الإعلام لأننا بمعرفة الكيفية التي تشكل  بها التكنولوجيا البيئة المحيطة بنا نستطيع ان نسيطر عليها ونتغلب على قدرتها الحتمية .

وقسم ماكلوهان المراحل التي تعكس التاريخ الإنساني إلى أربع مراحل وهي :

1 – المرحلة الشفوية  أي ما قبل التعلم ( القبلية )

2 – مرحلة الكتابة ( النسخ ) التي ظهرت في اليونان القديمة

3 – عصر الطباعة  من سنة 1500 إلى سنة 1900

4 – عصر وسائل الإعلام الالكترونية  : من سنة 1900 إلى الوقت الحالي

وطبيعة وسائل الإعلام المستخدمة في كل مرحلة ساعدت على تشكيل المجتمعات أكثر من المضمون ويقسم ماكلوهان طرق الاتصال إلى  :

الاتصال الشفهي : وهي التي كانت في المرحلة القبلية و اعتمد فيها الإنسان على حواسه وكانت حاسة السمع هي المسيطرة و عاش الإنسان فترة كانت العاطفة هي التي تقوده اعتمادا على الإلهام البدائي أو الخوف .

الاتصال السطري : ظهور الكتابة التي بدأت معها الحضارة وكانت خطوة من الظلام إلى نور العقل وحلت فيها العين مكان الأذن كوسيلة للحس يكتسب بفضلها الفرد معلوماته .

يرى ماكلوهان ان الصحافة المطبوعة بدأت  في القرن الخامس عشر مع اختراع جوتنبرغ للطباعة والتي تعتبر من أكثر الابتكارات التكنولوجية تأثيرا في الإنسان حيث تخلص من قبليته وساعد المطبوع الناس في التعلم والاعتماد على الذات وتكوين وجهات نظر شخصية وأصبح الاعتماد على الرؤيا هو الأساس في الحصول على المعلومات .

ويقول ماكلوهان في كتابه ( عالم جوتنبرغ ) ان اختراع الطباعة بالحروف المتحركة ساعد على تشكيل ثقافة أوروبا الغربية في الفترة ما بين 1500 إلى 1900 حيث شجع إنتاج المواد المطبوعة على انتشار القومية كونه سمح بانتشار كبير وسريع للمعلومات أكثر من المكتوب باليد فهذه الثورة التكنولوجية – اختراع الطباعة – فصلت القلب عن العقل والعلم عن الفنون مما أدى إلى سيطرة التكنولوجيا والمنطق السطري .

الشفهي مرة أخرى : هذا العصر أطلق عليه ماكلوهان عصر ( الدوائر الالكترونية ) وتتمثل بشكل خاص في التلفزيون والسينما والعقول الالكترونية التي تشكل بدورها الحضارة في القرن العشرين .

الأسس التي بنى عليها مكلوهان نظريته في كتابه الشهير “الوسيلة هي الرسالة” الذي قال فيه (إننا نعيش الآن في قرية عالمية وان الوسائل الالكترونية الحديثة ربطت كلاً منا بالآخر وبالتالي فإن المجتمع البشري لن يعيش في عزلة بعد الآن وهذا يجبرنا على التفاعل والمشاركة فقد تغلبت الوسائل الالكترونية على القيود والوقت والمسافة وأدت إلى استمرار اهتمامنا كمواطنين بالدول الأخرى فالرصد الذي اتبعه في تطور المجتمعات وتحولها من الثقافة الشفهية إلى اللغة المكتوبة ومن الثقافة المكتوبة إلى الثقافة الالكترونية جعله يتصور أنه أدرك نهاية هذا التطور باكتمال بناء القرية العالمية التي تتوحد فيها حاجات الناس ومتطلباتهم إلى جانب وعيهم ومواقفهم ورؤاهم وربما مشاعرهم حيال الآخرين والأشياء وبعبارة أخرى قدرة وسائل الإعلام على إعادة إنتاج الوعاء الفكري الموحد في جميع أنحاء العالم.

النقد الموجه للنظرية :

الفيلسوف برونو لاتور دافع عن عدم الفصل بين الأشياء والناس وسعى إلى تمييز أنظمة الكائن فالتقنية ليست هي الكائن اذ ان التقنية مليئة بالوعود بالنسبة للسياسة لكنها ليست السياسة بحد ذاتها فهي لا تغير شيئا مما هي عليه الديمقراطية حتى لو ان استخدام وسائل الإعلام يبدل التدريب على الديمقراطية .

ويؤكد ريتشارد بلاك بان القرية العالمية التي زعم (مكلوهان) وجودها في الستينات وتنبأ باكتمالها في نهاية القرن لم يعد لها وجود حقيقي في مجتمع نهاية التسعينات وبدايات القرن الجديد وفقا للمنظور  الغربي المعاصر حيث ان التطور الذي نظر من خلاله (مكلوهان) استمر في التسارع والمزيد من التطور إلى حد أدى إلى تحطيم هذه القرية العالمية وتحويلها إلى ذرات وشظايا.

كما وجه نقدا للنظرية ووصفها بالبساطة المفرطة فالثورات (تكنولوجية كانت أو اجتماعية) لا تبدأ أو تنتهي في نقطة زمنية محددة أو مكان واحد  الثورات هي عملية ذات جذور عميقة وأبعاد كثيرة.إليزابيث أيزنشطاين إحدى الناقدات لهذه النظرية تذكر في مقالها |(ظهور ثقافة الطباعة في الغرب) أن تكنولوجيا المطبعة تطورت في الصين مئات السنين قبل تطورها في أوروبا لكن الخلفية الاجتماعية في الصين لم تجعلها وسيلة اتصال جماهيرية الأمر الذي جعل من المطبعة وسيلة للاتصال الجماهيري في أوروبا الاضطراب وعدم الاستقرار يظهر هذا بشكل خاص في فترة النهضة الإيطالية (فترة ولادة وتجدد في الفنون والأدب والعلوم ) التي بدأت في القرن ال14 حتى ال16 , ومن ثم إلى سائر أنحاء أوروبا.

ووفقا لصيغة فاليري فان ماكلوهان لم يقدم براهين لكنه استدل بشكل أساسي على الأمثلة التاريخية والتاريخ يقدم أمثلة عن كل شيء لكنه لا يقدم براهين ومن الأمثلة المعاكسة لما قدمته الحتمية التقنية بان تطور الطباعة في الغرب قد ساهم في تعزيز الفردانية وتعزيز النهضة أنها أدت في الصين إلى تمركز المعرفة وتمركز القدرات .

المراجع :

1- د. جيهان رشتي : الأسس العلمية لنظريات الإعلام  ( دار الفكر العربي ، ط 3 ، 1986 )
2- اريك ميغريه : سيسيولوجيا الاتصال ووسائل الإعلام  : ترجمة موريس شربل ( مؤسسة   محمد بن راشد ال مكتوم ، ط 1 ، 2009 )

2 Comments

  1. ومن المثير للاهتمام جدا للقراءة. أريد أن أقتبس مشاركتك في بلدي بلوق. ويمكن أن؟ وأنت وآخرون حساب على التغريد؟

  2. مرحبا ، انها مثيرة للاهتمام حقا ، وذلك بفضل

Leave a Comment